ابن كثير
25
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
والأحاديث في هذا الباب كثيرة ووجه المناظرة هاهنا يطول ذكره وقد أشرنا إلى مأخذهم في ذلك رحمهم اللّه . ثم إن مذهب الشافعي وجماعة من أهل العلم أنه تجب قراءتها في كل ركعة . وقال آخرون : إنما تجب قراءتها في معظم الركعات . وقال الحسن وأكثر البصريين : إنما تجب قراءتها في ركعة واحدة من الصلوات أخذا بمطلق الحديث « لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب » وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري والأوزاعي : لا تتعين قراءتها بل لو قرأ بغيرها أجزأه لقوله تعالى فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ واللّه أعلم . وقد روى ابن ماجة من حديث أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد مرفوعا « لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة بالحمد وسورة في فريضة أو غيرها » وفي صحة هذا نظر وموضع تحرير هذا كله في كتاب الأحكام الكبير واللّه أعلم . والوجه الثالث : هل تجب قراءة الفاتحة على المأموم ؟ فيه ثلاثة أقوال للعلماء [ أحدها ] أنه تجب عليه قراءتها كما تجب على إمامه لعموم الأحاديث المتقدمة [ والثاني ] لا تجب على المأموم قراءة بالكلية لا الفاتحة ولا غيرها ولا في الصلاة الجهرية ولا السرية ، لما رواه الإمام أحمد بن حنبل في مسنده « 1 » عن جابر بن عبد اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة » ولكن في إسناده ضعف « 2 » . ورواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر من كلامه ، وقد روي هذا الحديث من طرق ولا يصح شيء منها عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم واللّه أعلم [ والقول الثالث ] أنه تجب القراءة على المأموم في السرية لما تقدم ، ولا يجب ذلك في الجهرية لما ثبت في صحيح مسلم عن أبي موسى الأشعري قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا ، وإذا قرأ فأنصتوا » وذكر بقية الحديث ، وهكذا رواه أهل السنن أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم أنه قال : « وإذا قرأ فأنصتوا » وقد صححه مسلم بن الحجاج أيضا ، فدل هذان الحديثان على صحة هذا القول وهو قول قديم للشافعي رحمه اللّه : ورواية عن الإمام أحمد بن حنبل والغرض من ذكر هذه المسائل هاهنا بيان اختصاص سورة الفاتحة بأحكام لا تتعلق بغيرها من السور واللّه أعلم . وقال الحافظ أبو بكر البزار : حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري حدثنا غسان بن عبيد عن أبي عمران الجوني عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « إذا وضعت جنبك على الفراش وقرأت فاتحة الكتاب وقل هو اللّه أحد فقد أمنت من كل شيء إلا الموت » .
--> ( 1 ) ج 5 ص 100 . ( 2 ) إسناد الإمام أحمد جاء على النحو التالي : حدثنا عبد اللّه ، حدثني أبي ، حدثنا أسود بن عامر ، أنبأنا حسن بن صالح عن أبي الزبير عن جابر عن النبي صلّى اللّه عليه وسلم .